تتزايد التساؤلات بشأن طبيعة العلاقات العسكرية بين الصين وإيران، في ظل مؤشرات على احتمال حدوث تحول في نمط هذا التعاون، الذي اتسم خلال العقدين الماضيين بالحذر والاعتماد على أشكال دعم غير مباشرة.
فعلى مدى سنوات طويلة، حرصت بكين على الحفاظ على توازن دقيق في تعاملها العسكري مع طهران، مفضّلة تقديم دعم غير مباشر بدلاً من الانخراط في صفقات تسليح مباشرة، وفق ما أوردته تقارير دولية. غير أن هذا النهج عاد إلى الواجهة مؤخراً، بعدما أفاد مسؤولون أميركيون بأن أجهزة الاستخبارات تدرس معلومات تشير إلى احتمال قيام الصين بتزويد إيران بصواريخ محمولة على الكتف خلال الأسابيع الأخيرة.
في المقابل، نفت بكين هذه الاتهامات بشكل قاطع، ووصفتها بأنها "مختلقة"، محذّرة من اتخاذ إجراءات حازمة في حال استمرار الضغوط الأميركية. وبينما أقر مسؤولون أميركيون بأن المعلومات المتوفرة ليست حاسمة، فإن ثبوتها قد يشير إلى تحول تكتيكي مهم في طبيعة الدعم الصيني لأحد أبرز شركائها في الشرق الأوسط.
من ازدهار الثمانينيات إلى تراجع حديث
شهدت العلاقات العسكرية بين البلدين ذروتها خلال ثمانينيات القرن الماضي، بالتزامن مع الحرب العراقية–الإيرانية، حيث فتحت الإصلاحات الاقتصادية في الصين المجال أمام شركات الدفاع لتصدير الأسلحة، ما أدى إلى تدفق كبير للأسلحة الصينية إلى إيران، بلغ ذروته في أواخر ذلك العقد.
وفي الوقت ذاته، واصلت بكين تزويد العراق أيضاً بالأسلحة، ما أدى إلى استخدام الطرفين معدات صينية متشابهة في ساحة المعركة. وقد أثار ذلك معارضة الولايات المتحدة، خصوصاً بعد استخدام إيران صواريخ مضادة للسفن في هجمات استهدفت ناقلات نفط في الخليج، ما دفع واشنطن إلى فرض قيود على صادرات التكنولوجيا المتقدمة إلى الصين.
مرحلة نقل التكنولوجيا والتصنيع المحلي
مع انتهاء الحرب، تحوّل التعاون بين الجانبين نحو نقل التكنولوجيا، حيث دعمت الصين جهود إيران في بناء قاعدة صناعاتها العسكرية. وأسفر ذلك عن تطوير أنظمة صاروخية محلية، أبرزها صاروخ "نور" المضاد للسفن، الذي استند إلى تصميمات صينية.
كما ساهمت بكين في إنشاء بنى تحتية لتطوير واختبار الصواريخ داخل إيران، في إطار دعم طويل الأمد لتحديث قدرات الجيش الإيراني، خاصة في المجال الصاروخي.
التكنولوجيا مزدوجة الاستخدام في العصر الحديث
منذ مطلع الألفية، ومع فرض عقوبات دولية على البرنامجين النووي والصاروخي الإيراني، خفّضت الصين بشكل كبير من صفقات السلاح المباشرة، لكنها واصلت تقديم دعم غير مباشر عبر تزويد طهران بمواد وتقنيات ذات استخدام مزدوج، يمكن توظيفها في الأغراض المدنية والعسكرية على حد سواء.
وشمل هذا الدعم مكونات حساسة تدخل في تصنيع الصواريخ والطائرات المسيّرة، مثل المواد الكيميائية اللازمة لوقود الصواريخ، إضافة إلى تجهيزات تقنية متقدمة.
ورغم طبيعته غير المباشرة، يرى خبراء أن هذا النوع من الدعم لا يزال يشكل عاملاً مهماً في تعزيز القدرات العسكرية الإيرانية، خاصة في ظل اعتمادها المتزايد على الصواريخ والطائرات بدون طيار.
عقوبات وشبهات متزايدة
في المقابل، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على شركات صينية وهونغ كونغية، متهمة إياها بالمشاركة في تزويد إيران بمكونات وبرمجيات مرتبطة ببرامجها العسكرية.
كما تتصاعد الشكوك حول استخدام إيران لنظام الملاحة بالأقمار الصناعية الصيني "بايدو" لأغراض عسكرية، كبديل محتمل للأنظمة الغربية، حيث أشارت تقارير أميركية إلى إمكانية استخدامه في توجيه هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة في منطقة الشرق الأوسط.
أهمية استراتيجية مستمرة
وتبقى إيران ذات أهمية خاصة للصين، لا سيما في ظل اعتماد بكين على واردات النفط من منطقة الخليج، التي تشكل نحو ثلث احتياجاتها من الخام، ما يمنح هذه العلاقة أبعاداً استراتيجية تتجاوز الجانب العسكري.